مؤلف مجهول
14
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب
الماء ، فلم يعرف القوم الليل من النهار ؛ حتى انزل اللّه « عزّ وجلّ » إلى نوح خرزتين بيضاء وسوداء ، فكانت البيضاء بالنهار تغلب السوداء ، والسوداء تغلب بالليل البيضاء . وكان نوح اوّل من قدّر الساعات مواقيت الصلاة ؛ فجعل النهار اثنتي عشرة ساعة ، والليل مثل ذلك . قال فلما اتت عليهم الايّام والليالي كثر الفأر في السفينة ، حتى تأذّى النّاس بها ؛ فمسح نوح بيده على رأس الأسد ، فعطس الأسد ، فخرج من منخره هرّتان ذكر وأنثى ، فكانتا لا تدعان من الفأر شيئا الّا اكلتاه . فلما تمّ الماء فيما يقال - والله اعلم - أربعين يوما ، نقص الماء ، فأقبلت السفينة تأخذ نحو الموصل ، وما يلي تلك الأرض . فلما انتهت إلى ارض باقروش وباريدى ، « 1 » صارت إلى جبل يسمى الجودي ، « 2 » فاستوت عليه ، وحفّت « 3 » فيه ، فثبتت . فلما رأى نوح ذلك ، علم أن الماء قد اخذ في النّقصان ؛ فقال نوح للغراب : انطلق حتى تأتي بخبر الماء . فطار الغراب لينظر هل يبين شئ من رؤوس الجبال ؛ فانتهى إلى رأس جبل قد نضب عنه الماء ، وظهر فيه حمار ميّت ، فاشتغل الغراب بأكل الحمار . ثم إن نوحا دعا الحمامة المطوّقه ، فأرسلها ؛ ثم صارت إلى رأس جبل قد ظهر فيه طين ؛ فلوّنت عنقها بذلك الطين ورجليها وساقيها ، ليعلم النّبىّ نوح انّ الماء قد أخذ في النقصان ، حتى أشرفت على بعض الأمكنة ، وظهر فيه الطين ثم أقبلت نحو السفينة بزيتونة وورقها ، واتت به نوحا ؛ فبشّر به أصحابه بنقصان الماء ونضوبه ؛ وارتهم الطين في رجليها وحلقها ؛ ورمت بين يديه ورقة الزيتون التي بدت على رأس الجبل . فدعا لها نوح ؛ وقال لها : جعل الله بشارتك ان يكون هذا الطين الأحمر ، الذي لطخت به رجليك ، خضابا لك ولولدك إلى يوم القيامة ، ورزقك المحّبة في قلوب العباد ، وجعل لحمك داء للصّحيح ودواء للمريض . وان نوحا ، عليه السلام ، خرج من السفينة فيمن كان معه من أصحابه ، واخرج معه جسد آدم ، وسرّح ما كان في السفينة من الوحش والسباع والهواّم ، فتفرقّوا في البلدان ،
--> ( 1 ) . تاريخ الأصمعي : باقردى وبازندى ( 2 ) . قال ابنا الأثير : وطافت السفينة بالأرض كلّها ، لا تستقرّ حتّى اتت الحرم فلم تدخله . ودارت بالحرم أسبوعا ثم ذهبت في الأرض تسير بهم ، حتّى انتهت إلى الجودىّ ؛ وهو جبل ب « قددى » ، بأرض الوصل ؛ « الكامل في التاريخ : م ص 72 ، 73 » . وينظر أيضا : تاريخ والطبري - طبعة « شركت انتشارات - جهان » : ج 1 ص 196 ( 3 ) . تاريخ الأصمعي : جنحت